ابن عجيبة
313
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
يقول الحق جل جلاله : وَقالُوا أي : كفار قريش : لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ « 1 » مِنْ رَبِّهِ تدل على صدقه ، مثل ناقة صالح ، وعصا موسى ، ومائدة عيسى ، ونحو ذلك . وقرأ نافع وابن عامر وحفص : بالجمع ؛ « آيات » ، كثيرة ، قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ ، ينزل منها ما شاء متى شاء ، ولست أملك منها شيئا ، وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ ؛ إنما كلفت بالإنذار وإبانته بما أعطيت من الآيات ، وليس من شأني أن أقول : أنزل على آية كذا دون آية كذا ، مع علمي أن المراد من الآيات ثبوت الدلالة على نبوتي ، والآيات كلها في حكم آية واحدة في ذلك . أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ ، أي : أو لم يكفهم إنزال آية مغنية عن سائر الآيات ، إن كانوا طالبين للحق ، غير متعنتين ، وهو هذا القرآن الذي تدوم تلاوته عليهم في كل زمان ومكان ، فلا يزال معهم آية ثابتة ، لا تزول ولا تنقطع ، كما انقطع غيره من الآيات ، وفي ذلك يقول البوصيري : دامت لدينا ؛ ففاقت كلّ معجزة * من النّبيّين ؛ إذ جاءت ولم تدم إِنَّ فِي ذلِكَ أي : في هذه الآية الموجودة في كل زمان إلى آخر الدهر ، لَرَحْمَةً ؛ لنعمة عظيمة ، وَذِكْرى ؛ وتذكرة لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ دون المتعنتين . قال يحيى بن جعدة : إن ناسا من المسلمين أتوا النبي صلى اللّه عليه وسلم بكتب قد كتبوها ، فيها بعض ما يقول اليهود ، فألقاها ، وقال : كفى بها حماقة ، أو ضلالة قوم ، أن يرغبوا عما جاء به نبيهم ، فنزل : أَ وَلَمْ يَكْفِهِمْ . . . إلخ « 2 » . قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً أي : شاهدا بصدق ما أدعيه من الرسالة وإنزال القرآن علىّ ، وتكذيبكم ، يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، فهو مطلع على أمرى وأمركم ، وعالم بحقي وباطلكم ، فلا يخفى عليه شئ . وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ ، وهو ما يعبد من دون اللّه ، وَكَفَرُوا بِاللَّهِ وبآياته منكم أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ؛ المغبونون في صفقتهم ، حيث اشتروا الكفر المؤدى إلى النيران ، بالإيمان المؤدى إلى الخلود في الجنان . روى أن كعب بن الأشرف وأصحابه من اليهود قالوا : من يشهد لك بأنك رسول اللّه ؟ فنزل : قُلْ كَفى . . . إلخ . الإشارة : اقتراح الآيات والكرامات كله جهل وحمق ؛ إذ ليس بيد النبي أو الولي شئ من ذلك ، وإنما هو مأمور بالوعظ والدلالة على اللّه ، والدعاء إليه ، والكرامة لا تدلّ على كمال صاحبها ، « ربما رزق الكرامة من لم تكمل له
--> ( 1 ) قرأ ابن كثير ، وأبو بكر ، وهمزة ، والكسائي « آية » بالتوحيد على إرادة الجنس ، وقرأ الباقون بالجمع . انظر الإتحاف ( 2 / 351 ) . ( 2 ) أخرجه الدارمي في ( المقدمة ، باب من لم ير كتابة الحديث 1 / 134 ، ح 478 ) ، وأبو داود في المراسيل ( باب ما جاء في العلم ) ، وابن جرير في التفسير ( 21 / 7 ) من حديث يحيى بن جعدة ، مرسلا .